محمد متولي الشعراوي

2705

تفسير الشعراوى

وهنا ملحظ آخر ؛ فحينما تكلم الحق عن ثواب الدنيا ، دل على أنه لا بد من العمل لنأخذ الدنيا ، ولم يذكر الحق ثوابا للآخرة ، بل جعل سبحانه الثواب للاثنين . . الدنيا والآخرة ، إذن فالذي يعمل للدنيا من المؤمنين إنما يأخذ الآخرة أيضا ؛ لأن الآخرة هي دار جزاء ، والدنيا هي مطية وطريق وسبيل . فكأن كل عمل يفعله المسلم ويجعل اللّه في باله . . فاللّه يعطيه ثوابا في الدنيا ، ويعطيه ثوابا في الآخرة . ويذيل الحق الآية : « وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً » - إذن - فثواب الدنيا والآخرة لا يتأتى إلا بالعمل ، والعمل هو كل حدث يحدث من جوارح الإنسان ، القول - مثلا - حدث من اللسان ، وهو عمل أيضا ، والمقابل للقول هو الفعل . فالأعمال تنقسم إلى قسمين : إلى الأقوال وإلى الأفعال . ولتوضيح هذا الأمر نقرأ قول الحق : كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( 17 ) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 18 ) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا ( 19 ) ( سورة الفجر ) وعندما سمع الأغنياء هذا القول عرفوا سلوكهم ، ولما سمع الفقراء هذا القول ، كأنهم قالوا : نحن لا نملك ما نطعم به المسكين ، فكان في قوله تعالى : « وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ » ما يوضح لهم الطريق إلى العطاء : أي حضوا غيركم على العطاء . أي أن الذي لا يملك يمكنه أن يكلم الغنى ليعطى المسكين ، والحضّ هو كلام . والكلام نوع من العمل . والحق سبحانه وتعالى يستنفر المؤمنين لينصروا دين اللّه فيقول : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 19 ) ( سورة التوبة ) هو سبحانه أعفى الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون في القتال وأسقطه عنهم ولم يحاسبهم عليه ، ولكن في الآية نفسها ما يحدد المطلوب من هؤلاء ، وهو أن ينصحوا للّه ورسوله . إذن فغير القادر يمكنه أن يتكلم بفعل الخير ويذكّر به الآخرين